توفيق وهبي
اللغة والمعاجم والبحث الكردي

معلومات أساسية
- الاسم الكامل: توفيق وهبي بك
- بالكردية: Tewfîq Wehbî
- الميلاد: 1891
- مكان الميلاد: السليمانية – كردستان العراق
- الوفاة: 1984
- مكان الوفاة: لندن – المملكة المتحدة
- المجال: اللغة، اللسانيات، المعاجم، البحث، التعليم والعمل العسكري والسياسي
- اللغة التي ركز عليها: الكردية، ولا سيما السورانية
- أبرز ما عُرف به: من أهم رواد الدراسات اللغوية الكردية في القرن العشرين، وله إسهامات مبكرة في تقعيد الكردية، إصلاح كتابتها، ومحاولة وضع أبجدية لاتينية لها، كما شارك مع الباحث البريطاني C. J. Edmonds في إعداد قاموس كردي–إنجليزي مهم.
من هو توفيق وهبي؟
هناك شخصيات خدمت الثقافة الكردية من خلال القصيدة أو الرواية أو الأغنية. أما توفيق وهبي فسلك طريقًا مختلفًا: اللغة نفسها. كان يسأل كيف تُكتب الكردية؟ كيف يمكن وضع قواعد واضحة لها؟ كيف يمكن تمثيل أصواتها بالحروف؟ وكيف يمكن إعداد قاموس يجعل مفرداتها متاحة للدارس والباحث؟ ولهذا يحتل مكانة مختلفة عن معظم الشخصيات السابقة في سلسلتنا. لم يكن شاعرًا مثل أحمد خاني أو جكرخوين، ولا مغنيًا مثل حسن زيرك أو علي مردان. كان لغويًا وباحثًا وضابطًا ورجل دولة، وعاش في الوقت نفسه مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ العراق والمنطقة.
وتشير الدراسات المتعلقة بتاريخ الكتابة الكردية إلى دوره البارز في محاولات إصلاح الأبجدية الكردية وتطوير الكتابة بالسورانية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
البداية من السليمانية
ولد توفيق وهبي سنة 1891 في السليمانية. والسليمانية في تلك المرحلة كانت إحدى أهم البيئات الثقافية الكردية، ومنها خرج عدد كبير من الشعراء والمثقفين والكتاب. لكن توفيق وهبي لم يبدأ مسيرته كأديب. كان طريقه الأول: الجيش. ففي أواخر العهد العثماني تلقى تعليمًا عسكريًا، والتحق بالمؤسسات العسكرية العثمانية. وهذه الخلفية ستجعله لاحقًا شخصية تجمع بين عالمين يبدوان متباعدين: العسكري المحترف والباحث اللغوي.
الضابط العثماني
درس وهبي في المؤسسات العسكرية العثمانية، وأصبح ضابطًا في الجيش. وكانت الدولة العثمانية آنذاك تمر بسنواتها الأخيرة، بينما شهدت المنطقة حروبًا وتحولات قومية وسياسية ضخمة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914–1918 خدم وهبي ضابطًا في الجيش العثماني. وهكذا فإن الرجل الذي سيجلس لاحقًا إلى الكتب والقواميس عاش في شبابه تجربة الجبهة والحرب وانهيار الإمبراطورية التي تدرب في مؤسساتها. بعد الحرب تغير كل شيء. انتهت الدولة العثمانية، ودخل العراق مرحلة سياسية جديدة تحت الانتداب البريطاني ثم تأسيس المملكة العراقية.
وعاد توفيق وهبي إلى العراق.
العراق الجديد
بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن العشرين، دخل توفيق وهبي مؤسساتها العسكرية والإدارية. وشغل خلال حياته عددًا من المناصب العسكرية والحكومية. وهذه نقطة مهمة في شخصيته: توفيق وهبي لم يكن باحثًا يعيش بعيدًا عن الدولة. بل كان في الوقت نفسه جزءًا من مؤسساتها. ولهذا تجمع سيرته بين: الجيش – الإدارة – السياسة – البحث اللغوي. وهي تركيبة نادرة بين الشخصيات الثقافية التي تناولناها.
متى بدأ اهتمامه باللغة الكردية؟
اهتمام وهبي باللغة لم يكن هواية متأخرة بعد التقاعد. فمنذ عشرينيات القرن العشرين أصبح واحدًا من الأشخاص الذين انشغلوا بمشكلة: كيف نكتب الكردية بصورة أكثر دقة؟ في ذلك الوقت لم تكن هناك منظومة كتابية موحدة يستخدمها جميع الكرد. وكانت الكتابة الكردية في العراق وإيران تعتمد بصورة أساسية على الحروف العربية والفارسية المعدلة، بينما ظهرت لاحقًا أبجدية لاتينية للكرمانجية في سوريا وتركيا مرتبطة خصوصًا بجهود جلادت بدرخان. أما توفيق وهبي فكان يعمل داخل البيئة السورانية في العراق.
المشكلة التي رآها في الأبجدية
الكردية تحتوي على أصوات لا تتطابق تمامًا مع العربية. وهذا يخلق مشكلة عندما نحاول استخدام الأبجدية العربية التقليدية كما هي. بعض الحروف قد تمثل أكثر من صوت، وبعض الأصوات الكردية تحتاج إلى علامات خاصة. وهبي رأى أن الكتابة يجب أن تجعل العلاقة بين:
الصوت والحرف
أوضح وأكثر انتظامًا. ومن هنا بدأت تجاربه في إصلاح الأبجدية.
مشروع الأبجدية اللاتينية
من أكثر المشاريع ارتباطًا باسم توفيق وهبي محاولته وضع: أبجدية كردية بالحروف اللاتينية. في أواخر عشرينيات وبداية ثلاثينيات القرن العشرين، عمل على نظام لاتيني لكتابة الكردية. وكان هدفه الأساسي الوصول إلى نظام يستطيع تمثيل الأصوات الكردية بدقة. وهنا يجب التفريق بين مشروعين تاريخيين: توفيق وهبي عمل بصورة أساسية في البيئة السورانية العراقية. جلادت بدرخان طور في الثلاثينيات الأبجدية اللاتينية التي أصبحت مرتبطة بصورة أساسية بـالكرمانجية، وظهرت في مجلة Hawar ابتداءً من 1932.
أي أن الأبجدية اللاتينية الكردية لم تكن مشروع شخص واحد فقط، بل ظهرت محاولات مختلفة في مناطق مختلفة.
لماذا لم تصبح أبجديته هي الأبجدية العامة؟
لأن اللغة لا تتغير بقرار لغوي فقط. هناك أيضًا: المدارس، الدولة، المطابع، الصحافة، العادات الثقافية، والسياسة. في كردستان العراق، استمرت السورانية في التطور أساسًا باستخدام الأبجدية العربية الكردية المعدلة. وفي المقابل، انتشرت الأبجدية اللاتينية بصورة أوسع في كتابة الكرمانجية. لذلك لم يتحول نظام وهبي اللاتيني إلى الأبجدية السائدة في كردستان العراق. لكن المشروع بقي مهمًا لأنه كان من المحاولات المبكرة والمنهجية لإصلاح الكتابة الكردية على أساس صوتي.
ولم يهمل الأبجدية العربية
من الخطأ الاعتقاد أن توفيق وهبي كان مهتمًا باللاتينية فقط. فقد ساهم كذلك في النقاش حول إصلاح الكتابة الكردية بالحروف العربية. وكانت إحدى المشكلات الأساسية هي تمثيل الحركات والأصوات الكردية بصورة واضحة. والكتابة السورانية الحديثة التي نراها اليوم تستخدم منظومة معدلة بدرجة كبيرة عن العربية التقليدية، بحيث أصبح لكل عدد أكبر من الأصوات تمثيل واضح. وهبي كان أحد رواد مرحلة النقاش والتجريب التي ساهمت في الوصول إلى أنظمة أكثر انتظامًا.
قواعد اللغة الكردية
لم يكن هدفه فقط تغيير الحروف. بل كان يريد أيضًا دراسة: كيف تعمل اللغة؟ ولهذا ألّف أعمالًا في قواعد اللغة الكردية. ودراسة القواعد مهمة جدًا لأي لغة تريد الانتقال من الاستخدام اليومي إلى: المدرسة، الجامعة، الصحافة، الكتب والقواميس. لأن اللغة المستخدمة في البيت يمكن أن تعيش طبيعيًا من دون كتاب قواعد. لكن عندما تريد تعليم آلاف الطلاب، تحتاج إلى إجابات واضحة: ما الضمائر؟ كيف يُصرف الفعل؟ كيف تعمل الأزمنة؟ كيف تُبنى الجملة؟ كيف تُكتب الكلمات؟
وهذه الأسئلة كانت في قلب مشروع وهبي.
لم يكن يريد اختراع لغة جديدة
وهذه نقطة مهمة. الإصلاح اللغوي لا يعني خلق لغة من الصفر. كان وهبي يحاول وصف اللغة الموجودة وتنظيم طريقة كتابتها وتعليمها. أي أنه بدأ من الكلام الكردي الحي ثم حاول بناء أدوات علمية تساعد على تدريسه ودراسته. وهذا الفرق أساسي.
من أهم مشاريعه: القاموس الكردي–الإنجليزي
أحد الأعمال التي أبقت اسم توفيق وهبي حاضرًا حتى اليوم هو: A Kurdish-English Dictionary القاموس الكردي–الإنجليزي وقد أعده بالاشتراك مع الباحث والدبلوماسي البريطاني: C. J. Edmonds – سيسيل جون إدموندز. صدر القاموس عن Oxford University Press عام 1966. وهذا العمل من أشهر المراجع المعجمية الكلاسيكية للكردية السورانية في القرن العشرين.
من هو C. J. Edmonds؟
كان إدموندز موظفًا ودبلوماسيًا بريطانيًا عاش وعمل في العراق، وكانت لديه معرفة واسعة بالمناطق الكردية واللغة الكردية. وعندما اجتمعت خبرة وهبي بوصفه متحدثًا كرديًا وباحثًا في اللغة مع معرفة إدموندز الأكاديمية والإدارية، نتج عن ذلك مشروع معجمي مهم. القاموس لم يكن مجرد ترجمة كلمات يومية. بل أصبح مرجعًا للباحثين والطلاب والمترجمين الذين يريدون الانتقال بين: الكردية والإنجليزية.
لماذا القاموس مهم؟
لنتخيل لغة لا تملك قواميس كافية. إذا واجه الباحث كلمة قديمة أو محلية، أين يبحث؟ إذا أراد المترجم معرفة المعنى الدقيق، إلى ماذا يرجع؟ إذا أراد أجنبي تعلم اللغة، كيف يبدأ؟ القاموس يحول جزءًا كبيرًا من المعرفة الشفهية إلى: مرجع مكتوب. ولهذا فإن العمل المعجمي قد يبدو أقل شهرة من الشعر، لكنه في بناء اللغة شديد الأهمية.
اللغة بالنسبة إليه كانت علمًا
وهنا يختلف توفيق وهبي عن بعض المدافعين عن اللغة الذين يتعاملون معها عاطفيًا فقط. بالنسبة إليه، حب اللغة لا يكفي. يجب أن: تدرس أصواتها. تحدد قواعدها. تجمع مفرداتها. تضع نظامًا لكتابتها. وتصنع أدوات لتعليمها. ولهذا يمكن وصف مشروعه بأنه مشروع: تحويل اللغة إلى موضوع للدراسة المنهجية.
اهتمامه لم يتوقف عند اللغة
كان توفيق وهبي واسع الاهتمامات. كتب وبحث أيضًا في موضوعات مرتبطة بـ: التاريخ الكردي، الثقافة، التراث، الجغرافيا وأصول بعض الأسماء والمواقع. كما اهتم بالدراسات المتعلقة بتاريخ المنطقة القديم. وهنا يجب التفريق بين أمرين: بعض أفكاره التاريخية تنتمي إلى مستوى البحث المتاح في عصره، وبعض الفرضيات التي كانت متداولة في الدراسات الكردية والأوروبية خلال القرن العشرين لم تعد بالضرورة تمثل الإجماع الأكاديمي الحديث. وهذا طبيعي بالنسبة لباحث عاش قبل عشرات السنين.
لذلك تبقى أهميته الأساسية في: ريادته في البحث، وليس ضرورة صحة كل فرضية تاريخية كتبها.
توفيق وهبي والسياسة العراقية
مسيرته العامة لم تتوقف عند الجيش. دخل وهبي الحياة السياسية والإدارية في المملكة العراقية وشغل مناصب حكومية ووزارية في مراحل مختلفة. وهذه المرحلة تضعه داخل سياق سياسي معقد، شهدت فيه المملكة العراقية صراعات داخلية وتغيرات حكومية متكررة. ولذلك من الأفضل قراءة دوره السياسي بصورة منفصلة عن تقييم إنجازه اللغوي: الباحث اللغوي شيء، والمسؤول الحكومي ومواقفه السياسية شيء آخر. وقد يجتمع الاثنان في الشخص نفسه من دون أن يكون أحدهما دليلًا تلقائيًا على الآخر.
وزير... وباحث في الوقت نفسه
المثير للاهتمام أن العمل الحكومي لم يلغ اهتمامه باللغة. استمر في الكتابة والبحث والتواصل مع المستشرقين والباحثين. وهذا جعل حياته تسير في خطين متوازيين: الخط الأول الجيش والدولة والسياسة. الخط الثاني الكردية والقواعد والأبجدية والمعجم. وفي النهاية، الخط الثاني هو الذي بقي الأكثر حضورًا في الذاكرة الثقافية.
لندن
قضى توفيق وهبي جزءًا مهمًا من سنواته اللاحقة في لندن. وكان وجوده في بريطانيا مهمًا أيضًا لعلاقته بالمؤسسات والباحثين المهتمين بالدراسات الكردية والشرق أوسطية. وفي تلك البيئة استمر نشاطه العلمي والثقافي. كما ساهم في دعم المؤسسات التي تهتم بالثقافة والدراسات الكردية في أوروبا.
المعهد الكردي في باريس
هناك جانب مهم آخر في إرثه. كان توفيق وهبي من الشخصيات المرتبطة بتأسيس المعهد الكردي في باريس – Institut kurde de Paris في أوائل الثمانينيات. المعهد الذي تأسس سنة 1983 أصبح لاحقًا من أهم المؤسسات الأوروبية المتخصصة في: الثقافة الكردية، اللغة، الكتب، الأرشيف، الدراسات والندوات. ووجود شخصية من جيله في هذا المشروع يوضح أن اهتمامه باللغة استمر حتى سنواته الأخيرة.
بين وهبي وجكرخوين وهژار
في الحلقات الثلاث الأخيرة أصبح لدينا خط ثقافي جميل جدًا: 014 – جكرخوين استخدم اللغة في الشعر، وكتب قواعد ومعجمًا أيضًا. 015 – هژار استخدمها في الشعر والترجمة والمعجم. 017 – توفيق وهبي ركز بصورة أساسية على القواعد والأبجدية والمعجم والدراسة اللغوية. الثلاثة خدموا اللغة، لكن كل واحد بطريقته. جكرخوين جعلها صوتًا اجتماعيًا وشعريًا. هژار نقل بها التراث بين اللغات واللهجات. أما توفيق وهبي فحاول أن يعطيها: أدوات التنظيم والتعليم والدراسة.
السورانية في مشروعه
ترتبط أعمال وهبي بصورة خاصة بـ: الكردية السورانية. وهذه نقطة مهمة في سياق تاريخ اللغة. فالكرمانجية والسورانية طورتا خلال القرن العشرين تقاليد كتابية مختلفة جزئيًا. في الكرمانجية أصبحت الأبجدية اللاتينية المرتبطة بمدرسة Hawar واسعة الانتشار. أما السورانية، خصوصًا في العراق وإيران، فاستمرت أساسًا بالأبجدية الكردية المبنية على الحرف العربي المعدل. وعمل وهبي يقع في قلب المرحلة التي كانت فيها هذه الأنظمة تُناقش وتُطور وتُقعّد.
لماذا الأبجدية مهمة للهوية الثقافية؟
لأن الكتابة تحدد قدرة اللغة على الانتقال عبر الزمن. الصوت يختفي. أما النص فيبقى. إذا كانت لديك أبجدية واضحة تستطيع أن: تطبع كتابًا. تفتح مدرسة. تصنع قاموسًا. تكتب صحيفة. تحفظ قصيدة. تترجم العلوم. ولهذا لم تكن مناقشات وهبي حول الحروف مسألة تقنية صغيرة. كانت مرتبطة بالسؤال الأكبر: كيف تصبح الكردية لغة حديثة للتعليم والكتابة؟
علاقته بالمستشرقين والباحثين
عاش توفيق وهبي في فترة كان فيها جزء كبير من الدراسات الأكاديمية المكتوبة عن الكردية في الجامعات الأوروبية يأتي من مستشرقين وباحثين أجانب. لكنه كان مختلفًا عنهم في نقطة أساسية: الكردية لغته وثقافته. وهذا أعطاه معرفة داخلية بالمفردات والنطق والاستعمال الاجتماعي لا يمتلكها الباحث الخارجي بسهولة. وفي المقابل، أتاح له التعاون مع باحثين مثل إدموندز الوصول إلى تقاليد البحث والمعاجم والنشر الأكاديمي الأوروبي. ومن هنا جاءت أهمية التعاون بين الطرفين.
هل كان توفيق وهبي أديبًا؟
نعم بمعنى واسع، لكنه ليس معروفًا أساسًا كشاعر أو روائي. مكانته الكبرى تأتي من: اللسانيات – القواعد – المعاجم – الأبجدية – البحث. ولهذا فإن وصفه في تصميم الحلقة بأنه: «رائد اللغة والبحث الكردي» أدق من وصفه بـ«شاعر» أو «أديب» فقط.
سنوات طويلة من التحولات
عندما ننظر إلى حياته زمنيًا نجد شيئًا لافتًا. ولد سنة 1891 في العهد العثماني. شهد الحرب العالمية الأولى. شهد انهيار الدولة العثمانية. شهد تأسيس المملكة العراقية. عمل في الجيش والدولة. شهد توسع الصحافة والراديو والتعليم الحديث. شارك في مشاريع لتحديث كتابة الكردية. ثم عاش حتى عصر الجامعات والمعاهد الثقافية الأوروبية الحديثة. أي أن حياته امتدت تقريبًا عبر قرن كامل من التحول من الإمبراطورية إلى الدولة الحديثة ومن المخطوطة إلى القاموس الأكاديمي المطبوع.
وفاته
توفي توفيق وهبي سنة: 1984 في لندن، بعد حياة قاربت ثلاثة وتسعين عامًا. واللافت أن سنة وفاته هي نفسها سنة وفاة شخصية الحلقة 014 جكرخوين. لكن الرجلين سلكا طريقين مختلفين تمامًا. جكرخوين جعل الكردية قصيدة تصل إلى الناس. أما وهبي فحاول أن يجعلها: نظامًا يمكن دراسته وكتابته وتعليمه.
ماذا بقي من توفيق وهبي؟
بقيت كتبه. وبقي قاموسه. وبقيت الدراسات المتعلقة بمشروعه في الأبجدية. لكن إرثه الأهم ربما يكون فكرة أوسع: اللغة تحتاج إلى مؤسسات وأدوات، لا إلى المتحدثين فقط. إذا أرادت لغة أن تستمر في العالم الحديث فهي تحتاج إلى: مدرسة، قواعد، أبجدية، قاموس، مطبعة، باحثين وجامعة. وتوفيق وهبي قضى جزءًا كبيرًا من حياته يعمل على هذه الأدوات.
لماذا نتذكر توفيق وهبي؟
لأنه يمثل جانبًا لا يحصل دائمًا على الشهرة التي يحصل عليها الشاعر أو المغني. الشاعر يترك قصيدة يمكن أن يحفظها الناس. والمغني يترك أغنية يمكن أن يسمعها الملايين. أما اللغوي فيترك شيئًا أقل ظهورًا لكنه عميق التأثير: الأدوات التي تسمح للآخرين بأن يكتبوا ويقرأوا ويتعلموا. توفيق وهبي درس أصوات الكردية. كتب في قواعدها. حاول إصلاح أبجديتها. جرب الحروف اللاتينية. شارك في تطوير الدراسات المتعلقة بالكتابة السورانية. وأعد مع C. J. Edmonds واحدًا من أشهر القواميس الكردية–الإنجليزية في القرن العشرين.
وفي الوقت نفسه عاش حياة مختلفة تمامًا عن صورة الباحث المنعزل: كان ضابطًا عثمانيًا سابقًا، مسؤولًا في الدولة العراقية، وزيرًا، باحثًا ومثقفًا. ولهذا فإن سيرته ليست قصة عالم لغة فقط. إنها قصة رجل عاش الانتقال من الإمبراطورية العثمانية إلى العراق الحديث، ومن التعليم التقليدي إلى البحث اللغوي والمؤسسات الثقافية الحديثة. وفي قلب كل ذلك بقي سؤال واحد يرافقه: كيف نكتب الكردية ونحفظها للأجيال القادمة؟
العودة إلى الشخصيات ←