علي مردان
الغناء والمقام الكردي

معلومات أساسية
- الاسم: علي مردان قادر – Elî Merdan Qadir
- الميلاد: 1904
- الوفاة: 24 يوليو/تموز 1981
- العمر: نحو 77 عامًا
- المنطقة المرتبطة به: كركوك – كردستان العراق
- المجال: الغناء، المقام، التلحين والتعليم الموسيقي
- لغة الغناء الأساسية: الكردية – السورانية
- أبرز ما عُرف به: أحد أبرز أساتذة المقام والغناء الكردي في القرن العشرين، وكان من الأصوات المؤسسة للحضور الكردي في إذاعة بغداد. وتصفه مصادر موسيقية كردية بأنه من مؤسسي مدرسة المقام الكردي الحديثة.
تختلف المصادر في تحديد اليوم والشهر الدقيقين لوفاة علي مردان سنة 1981؛ تورد بعض السير 24 يوليو/تموز، فيما يورد أرشيف كرديبيديا 24 يناير/كانون الثاني.
من هو علي مردان؟
عندما نتحدث عن تاريخ الأغنية الكردية المسجلة في القرن العشرين، يظهر اسم علي مردان في مرحلة حاسمة: المرحلة التي بدأت فيها الأغنية تنتقل من المجالس والتكايا والحفلات المحلية إلى الميكروفون والراديو والتسجيل. لكن علي مردان لم يكن مجرد صاحب صوت جميل. كان مقامخوانًا، ملحنًا، معلّمًا، وباحثًا عمليًا في المقامات والألحان، وأثرت مدرسته في عدد من أبرز الأصوات التي جاءت بعده. وتصفه المصادر الموسيقية بأنه أحد أبرز من ساهموا في تنظيم وتطوير تقاليد المقام الكردي، بينما بقيت تسجيلاته نموذجًا للأداء الكلاسيكي الذي يعطي الأولوية للكلمة والشعر والمقام.
البداية... 1904
وُلد علي مردان سنة 1904. لكن مكان ولادته يحتاج إلى بعض الحذر. الرواية الأكثر انتشارًا تربطه مباشرة بمدينة كركوك، وتذكر بعض المصادر أنه ولد في حي تكية الشيخ علي فيها. في المقابل، تذكر سيرة كردية مفصلة أنه ولد في قرية كاني سارد – Kanî Sard في منطقة شاربازير، ثم انتقل مع أسرته وهو صغير إلى كركوك واستقر فيها. بغض النظر عن الاختلاف، فإن المدينة التي صنعت القسم الأكبر من تكوينه الفني كانت: كركوك. مدينة متعددة الثقافات واللغات، وفيها تداخلت التقاليد الموسيقية الكردية والعراقية والتركمانية والعربية.
وهذا التنوع سيظهر لاحقًا في تكوين علي مردان الموسيقي.
التكية... المدرسة الموسيقية الأولى
لم يبدأ علي مردان حياته الفنية داخل معهد موسيقي حديث. بدأها في: التكية. وتذكر المصادر أنه تلقى تعليمه في تكية كركوك عند ماموستا صالح، وتعلم على يد الملا رؤوف صاحب الصوت المعروف تجويد القرآن إلى جانب بعض المقامات الكردية والقوريات التركمانية. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فالإنشاد الديني وتلاوة القرآن والمقامات كانت تاريخيًا مدارس مهمة لتدريب الصوت والأذن الموسيقية في العراق والمنطقة. ومنها تعلم الشاب: التحكم بالنفس، تطويل النغمة، الانتقال بين الدرجات، الاستماع الدقيق، وضبط المقام.
وهذه المهارات ستصبح لاحقًا جوهر أسلوبه.
فقد والده مبكرًا
تذكر السير المتداولة أن علي مردان فقد والده عندما كان طفلًا، وهو ما وضع عليه مسؤوليات عائلية في سن مبكرة. Wikipedia لم تكن طفولته إذن طريقًا مباشرًا نحو الاحتراف الفني. كان عليه أن يجمع بين مسؤوليات الحياة وبين اهتمامه المتزايد بالصوت والموسيقى. لكن البيئة المحيطة به كانت تمنحه شيئًا لا يمكن تعلمه بسهولة من الكتب: الاستماع. كان يسمع القراء والمنشدين والمقاميين، ويحاول فهم الطريقة التي تُبنى بها الجملة الموسيقية.
من كركوك إلى ليلان
تذكر سيرة كردية مفصلة أنه بعد سنوات من الدراسة في التكية غادر كركوك فترة إلى ليلان – Leylan. وهناك تعرف إلى عازف تمبور يدعى: خدر بارام – Xidir Baram وتقول السيرة إن علي مردان استفاد منه كثيرًا في التعرف إلى المقامات والألحان الكردية. كانت هذه مرحلة إضافية في تكوينه. فبعد المدرسة الدينية والصوتية، أصبح يقترب أكثر من الموسيقى الشعبية والآلة واللحن.
لم يكتفِ بالموسيقى الكردية
إحدى نقاط قوة علي مردان أنه لم يحصر نفسه في تقليد موسيقي واحد. تذكر المصادر أنه تعلم ودرس جوانب من: المقام الكردي، المقام العراقي والعربي، الموسيقى الفارسية، والقوريات التركمانية. كما تذكر سيرته معرفته بالكردية والعربية والتركية والفارسية. هذه البيئة المتعددة ساعدته على تطوير أذن موسيقية واسعة. لكن النتيجة لم تكن تخليه عن الموسيقى الكردية. بالعكس: استخدم معرفته بالمقامات المحيطة لتطوير طريقته الخاصة في أداء المقام الكردي.
ما هو المقام؟
لفهم أهمية علي مردان، علينا التوقف قليلًا عند كلمة: مقام. المقام ليس أغنية واحدة ولا مجرد لحن محفوظ. إنه نظام لحني له درجات ومسارات وانتقالات وقواعد في الأداء. والمغني المتمكن من المقام لا يؤدي الكلمات فقط؛ بل يعرف كيف يبدأ، وكيف يصعد بالصوت، وكيف ينتقل، وكيف يعود، وأين يستطيع الارتجال دون أن يفقد هوية المقام. ولهذا فإن لقب:
«مامۆستا – الأستاذ»
الذي ارتبط بعلي مردان لم يكن مرتبطًا بعمره فقط. بل بمكانته بوصفه عارفًا بالمقام ومعلمًا له.
بغداد... التحول الكبير
ثم جاءت المحطة التي ستغير مسيرته: بغداد. في النصف الأول من القرن العشرين أصبحت الإذاعة وسيلة جديدة تمامًا لنشر الموسيقى. قبل الراديو، كان الفنان يحتاج إلى أن يكون الجمهور حاضرًا أمامه. أما بعد الراديو، فأصبح بإمكان صوت واحد في بغداد أن يصل إلى آلاف المستمعين في مدن وقرى بعيدة. وفي 1939 بدأت مرحلة شديدة الأهمية في تاريخ البث الكردي من بغداد، وارتبط اسم علي مردان بالبدايات المبكرة للقسم الكردي في الإذاعة. وتذهب بعض المصادر إلى وصفه بأنه من الذين أطلقوا البث الكردي هناك. Wikipedia
أول مقام مسجل
تذكر السيرة الكردية لعلي مردان أن أول مقام سجله للإذاعة سنة 1939 كان: مقام «Ay Ay – آي آي» وأداه بالكردية، بلهجة باجلان بحسب المصدر. هذه المعلومة مهمة لأنها تضع علي مردان مباشرة عند واحدة من نقاط التحول الكبرى: انتقال المقام الكردي من الأداء الحي إلى الأرشيف الإذاعي. فالصوت لم يعد يختفي بعد انتهاء المجلس. أصبح بالإمكان تسجيله وإعادة بثه.
علي مردان ومريم خان
وهنا يلتقي تسلسلنا مرة أخرى. في الحلقة 013 تحدثنا عن: مريم خان – Meryem Xan التي أصبحت من أهم الأصوات النسائية الكردية المرتبطة ببغداد والإذاعة والتسجيل. وفي الفترة نفسها تقريبًا كانت بغداد تجمع أصواتًا كردية جاءت من مناطق مختلفة. أصبح الراديو مكانًا يلتقي فيه: المقام، الدنگبيج، الأغنية الشعبية، الشعر والموسيقى الحديثة. وكان علي مردان أحد أهم ممثلي مدرسة المقام الكردي في هذه البيئة.
حسن زيرك يدخل المشهد
ثم يأتي اسم آخر سبق أن تناولناه في الحلقة 010: حسن زيرك – Hesen Zîrek. عندما وصل حسن زيرك إلى بغداد في الخمسينيات، وجد أمامه بيئة إذاعية كردية أصبحت أكثر تطورًا مما كانت عليه قبل عقدين. وتضع مصادر الموسيقى الكردية علي مردان ضمن الفنانين الذين أثروا في الجيل الذهبي اللاحق من المغنين، وتذكر من بينهم حسن زيرك، محمد صالح ديلان، ماملي، طاهر توفيق وأحمد شمال. Wikipedia لكن يجب أن نكون دقيقين هنا: من الأفضل الحديث عن التأثير والمدرسة الفنية بدل افتراض أن كل هؤلاء كانوا تلاميذ مباشرين له بالمعنى الأكاديمي.
لماذا كان مختلفًا؟
علي مردان لم يعتمد فقط على قوة الصوت. كان يهتم بثلاثة عناصر: المقام + الشعر + الأداء. في المدرسة الكلاسيكية التي يمثلها، يجب أن يخدم الصوت النص. لا يكون الهدف فقط إظهار قدرة المغني على الوصول إلى طبقة مرتفعة. بل إيصال معنى البيت الشعري والعاطفة الموجودة فيه. ولهذا تصف مصادر الموسيقى الكردية تسجيلاته بأنها نموذج لفكرة: «الشعر أولًا». أي أن اللحن والصوت يعملان لخدمة الكلمة.
المعلم
ربما يكون تأثير علي مردان في الآخرين مهمًا بقدر أهمية تسجيلاته الشخصية. فهو لم يحتفظ بمعرفته لنفسه. تذكر المصادر الكردية أنه شجع عددًا من الشباب أصحاب المواهب وساعدهم على تطوير أصواتهم ومعرفتهم بالمقامات. ولهذا أصبح اسم علي مردان مرتبطًا بفكرة: المدرسة. ليس لأنه أسس بالضرورة معهدًا رسميًا يحمل اسمه، بل لأن طريقته في الأداء والتعليم أصبحت مرجعًا لمن جاء بعده. ولهذا تصفه بعض المصادر الحديثة بأنه: «أبو مدرسة المقام الكردي». وهذا وصف تقديري شائع، وليس لقبًا رسميًا.
هل كان مغنيًا أم ملحنًا؟
الاثنين. تصف المصادر علي مردان بأنه: مغنٍ – مقامخوان – ملحن – معلّم. وتذهب شهادات موسيقية كردية إلى أنه لم يكتفِ بحفظ المقامات القديمة، بل أسهم أيضًا في صياغة ألحان ومقامات وأشكال أداء أصبحت جزءًا من التراث الموسيقي اللاحق. YouTube لكن من الصعب اليوم تحديد التأليف الشخصي لكل قطعة نُسبت إليه. فمثل كثير من فناني ذلك الجيل، هناك تداخل بين: التراث الشعبي، المقام الموروث، إعادة التلحين، والتأليف الشخصي. ولذلك من الأفضل عدم نسبة كل ما أداه إلى تأليفه.
كم أغنية غنى؟
هناك رواية متداولة تقول إن علي مردان أدى خلال مسيرة قاربت نصف قرن أكثر من ألف أغنية ومقام، لكن ليس جميعها سُجل أو بقي محفوظًا. Wikipedia هذه المعلومة تأتي أساسًا من روايات الأقارب والمعارف وليست من فهرس تسجيلات كامل. لذلك الصياغة الأدق هي: تُنسب إلى علي مردان مئات التسجيلات والأداءات، وتذكر روايات مقربة منه أن رصيده تجاوز ألف أغنية ومقام، لكن جزءًا كبيرًا من إنتاجه المبكر لم يُحفظ تسجيلًا.
وهذا طبيعي بالنسبة إلى فنان بدأ مسيرته قبل انتشار التسجيل على نطاق واسع.
«شەو و ڕۆژ» – الليل والنهار
من الأعمال التي بقيت مرتبطة باسمه أغنية: Şew û Roj – شەو و ڕۆژ «الليل والنهار» والدليل على استمرار حضورها أن فنانين من أجيال أحدث أعادوا أداءها؛ ففي 2024 تحدثت كوردستان24 عن إعادة المغنية لافين نوري تقديم أغنية «شەو و ڕۆژ» لعلي مردان في عمل مصور جديد. Kurdistan24 - کوردستان 24 وهذا مثال مهم على طريقة استمرار إرثه: أغنية من جيل الإذاعة القديمة تعود بصوت جيل جديد.
تسجيلات خارج العراق
لم يبق نشاط علي مردان محصورًا ببغداد. تذكر سيرته أنه في 1965 سجل مجموعة من المقامات والأغاني في إذاعتي طهران وكرمانشاه في إيران. وهذا يؤكد أن شهرته لم تكن عراقية محلية فقط. فالموسيقى الكردية كانت تتحرك عبر الحدود السياسية، والجمهور الكردي موزعًا بين العراق وإيران وتركيا وسوريا. والإذاعة سمحت لهذه الأصوات بالانتقال عبر تلك الحدود.
آخر تسجيلاته
تذكر السيرة المحفوظة في Kurdipedia أن آخر أغنية/بستة سجلها علي مردان كانت سنة: 1972 في القسم الكردي من إذاعة بغداد. وإذا أخذنا بداية تسجيلاته الإذاعية سنة 1939، فهذا يعني أننا أمام مسيرة إذاعية موثقة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود. أما نشاطه الفني الأوسع فقد امتد قرابة نصف قرن.
كركوك في صوته
من الصعب فصل علي مردان عن كركوك. فكركوك لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان إقامة. كانت مدينة تختلط فيها لغات وموسيقى وثقافات مختلفة. فيها سمع: الكردية، التركمانية، العربية، المقامات، القوريات، الإنشاد الديني. وهذا التنوع يفسر جزءًا من ثراء تجربته. لكن الشخصية الأساسية لفنه بقيت مرتبطة بـ: المقام والأغنية الكردية. ولهذا ظل اسمه حاضرًا خصوصًا في ذاكرة الموسيقى الكردية السورانية.
المقام قبل الأغنية الحديثة
لفهم موقع علي مردان تاريخيًا، يمكن تقسيم جزء من تطور الأغنية الكردية الحديثة إلى مرحلتين متداخلتين: في المرحلة الأولى كان هناك: الدنگبيج، المقام، الغناء الشعبي، المجالس والتكايا. ثم جاءت: الأسطوانة، الإذاعة، الفرقة الموسيقية والاستوديو. علي مردان عاش المرحلتين. تعلّم في التكية ومن الأساتذة التقليديين. ثم وقف أمام ميكروفون إذاعة بغداد. وهذا ما يجعل سيرته مهمة جدًا. إنه أحد الفنانين الذين نقلوا معرفة موسيقية قديمة إلى وسيط حديث.
مكانته بين شخصيات سلسلتنا
بعد 16 حلقة، أصبح لدينا خط موسيقي واضح: 003 – عائشة شان الصوت النسائي الكردي الحديث. 010 – حسن زيرك الأغنية الشعبية والإذاعة. 013 – مريم خان المرأة الكردية في مرحلة الأسطوانة والراديو. 016 – علي مردان مدرسة المقام الكردي والإذاعة. وهؤلاء لا يمثلون النوع الموسيقي نفسه. وهذا مهم. مريم خان جاءت بصورة أكبر من تقاليد الغناء الشعبي والدنگبيج. حسن زيرك اشتهر بالأغنية الشعبية واللحن والذاكرة الموسيقية الهائلة. أما علي مردان فكان أحد أبرز ممثلي:
المقام الكردي. وبهذا تعطينا الشخصيات الأربع صورة أوسع عن تنوع الموسيقى الكردية في القرن العشرين.
وفاته
توفي علي مردان يوم: 24 يوليو/تموز 1981 عن عمر ناهز 77 عامًا. وتتفق عدة مصادر على تاريخ الوفاة، بينما تختلف قليلًا في تحديد مكانها؛ إذ تشير بعض المصادر إلى وفاته في بغداد، في حين تركز أخرى على كركوك باعتبارها مدينته الأساسية. Nishtman Dialog وتذكر المصادر الكردية أنه دُفن في: مقبرة الشيخ محيي الدين في كركوك. وهكذا عاد بعد مسيرة طويلة إلى المدينة التي ارتبط بها اسمه وفنه.
ماذا بقي من علي مردان؟
بقيت تسجيلاته. لكن الأهم أن طريقته بقيت. فالفنان يمكن أن يترك أغنية واحدة مشهورة، ثم ينتهي تأثيره معها. أما المعلم فيترك شيئًا آخر: طريقة أداء. وهذا هو الجزء المهم في إرث علي مردان. المقام الذي حافظ عليه وطوره، وطريقة التعامل مع القصيدة، والانتقال اللحني، والانضباط الصوتي، كلها أصبحت جزءًا من مدرسة انتقلت إلى أجيال لاحقة. ولهذا تصفه مصادر موسيقية معاصرة بأنه أحد واضعي أسس المدرسة الكلاسيكية للمقام الكردي.
لماذا نتذكر علي مردان؟
لأن علي مردان يقف عند نقطة مهمة جدًا بين: التكية والراديو. بدأ بتعلم القرآن والتجويد والمقام في بيئة تقليدية. تعلم من الموسيقى الكردية والتركمانية والعربية والفارسية. ثم أخذ هذه المعرفة معه إلى عصر جديد: عصر الميكروفون. ومن خلال إذاعة بغداد أصبح المقام الكردي قادرًا على الوصول إلى جمهور لم يكن حاضرًا أمام المغني. وساعد علي مردان في حفظ مقامات وأغانٍ، وشجع أصواتًا شابة، وترك مدرسة فنية استمرت بعد وفاته. لهذا فإن أهميته لا تكمن فقط في سؤال:
«كم أغنية غنى؟» بل في سؤال أكبر: «ماذا فعل بطريقة الغناء نفسها؟» وهنا تكمن مكانته الحقيقية. فهو من الفنانين الذين ساهموا في تحويل المقام الكردي من تراث ينتقل أساسًا بالمشافهة والمجالس إلى فن مسجل ومذاع يمكن للأجيال التالية أن تسمعه وتتعلمه.
العودة إلى الشخصيات ←